محمود توفيق محمد سعد
221
الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم
جلّ جلاله : . . . وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ ( الأعراف : من الآية 3 ) فسبحان من هذا كلامه وتعالى حجابه وعزّ مرامه وعلى من أنزل عليه صلاته وسلامه وتحيته وإكرامه " « 1 » مقالته في رد مقطع تلاوة سورة " الأعراف " على مطلعها بينة لا يفتقر ذو إدراك إلى أن يتبين صدق مذهبه ومنهجه فكلّ آية من المقطع تتلاقى مع مقابلها من المطلع في ظاهر معناها الذي لا يكاد يخفى على مبصر وسامع . وإذا ما كان هذا حاله مع أطول سورتين : البقرة ، والأعراف فيرد مقطع تلاوة كلّ على مطلعها ، فإنّي ناظر حاله في ردّ مقطع تلاوة أقصر سورة في القرآن الكريم على مطلعها : سورة " الكوثر " يبين " البقاعيّ " في مفتتح تأويله لها أنّ مقصودها " المنحة بكلّ خير يمكن أن يكون " ثمّ يبين استهلال " الكوثر " بقول اللّه سبحانه وتعالى : إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ وعلاقته بسورة " الدين : الماعون " قائلا : " لمّا كانت سورة " الدّين " بإفصاحها ناهية عن مساوئ الأخلاق كانت بإفهامها داعية إلى معالى الشيم ، فجاءت " الكوثر " لذلك . [ أي أنّ إفصاح الكوثر توكيد للإفهام الماعون ] وكانت : " الدّين " قد ختمت بأبخل البخلاء ، وأدنى الخلائق : المنع تنفيرا من البخل ، ومما جرّه من التكذيب ، فابتدئت " الكوثر " بأجود الجود والعظاء لأشرف الحلائق ترغيبا فيه وندبا إليه [ أي أنّ إفصاح الكوثر مقابل لإفصاح الماعون ] ، فكان كأنّه قيل : أنت يا خير الخلق غير متلبس بشيء مما نهت عنه تلك المختتمة بمنع الماعون ( إنّا . . . أعطيناك . . . الكوثر ) الذي هو من جملة الجود على المصدقين بيوم الدين . " « 2 » تبين لك علاقة الكوثر بالدّين وأنها علاقة تقابل بين إفصاح السورتين من جهة وتناظر بين إفصاح الكوثر وإفهام " الدّين " من أخرى . وتبين لك استهلال " الكوثر " بالإفصاح تقرير العطاء الإلهي للنبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فإذا نظرت في خاتمتها إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ رأيت في بناء نظمها دلالة على أن القطع والمنع من كلّ خير حسيّ ومعنوي مخصوص بشانئ المكرّم المبجّل صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهذا يفيد إفهاما أنّه صلّى اللّه عليه وسلّم هو الموصول بجليل
--> ( 1 ) - نظم الدرر : 8 / 213 - ( 2 ) - نظم الدرر : 22 / 287